ابن عجيبة

314

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الاستقامة » « 1 » ، ليس كل من ثبت تخصيصه كمل تخليصه « 2 » . وقد تظهر الكرامات في البدايات وتخفى في النهايات ، والكرامة العظمى هي الاستقامة وكشف الحجاب بين اللّه وعبده حتى يشاهده عيانا ، ويذهب عنه الأوهام والشكوك ، وأما غير هذا فقد يكون استدراجا لمن يقف معه . واللّه تعالى أعلم . ولمّا لم تظهر آية كما اقترحوا ، استعجلوا العذاب ، استهزاء ، كما قال تعالى : [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 53 إلى 55 ] وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْ لا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 53 ) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ ( 54 ) يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 55 ) يقول الحق جل جلاله : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ ، كقولهم : أمطر علينا حجارة من السماء ، وَلَوْ لا أَجَلٌ مُسَمًّى المضروب لعذاب كل قوم ، أو : القيامة ، أو : يوم بدر ، أو : وقت فنائهم بأجلهم . والمعنى : ولولا أجل قد سمّاه اللّه وعيّنه في اللوح المحفوظ ، لَجاءَهُمُ الْعَذابُ عاجلا . والحكمة تقتضى تأخيره إلى ذلك الأجل المسمى ، وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ العذاب في الأجل المسمى بَغْتَةً : فجأة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ بإتيانه . يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ أي : لتحيط بهم ، أو : هي كالمحيطة بهم ، لإحاطة أسبابها بهم من الكفر والمعاصي . واللام للعهد ، على وضع الظاهر موضع المضمر ؛ للدلالة على موجب الإحاطة ، وهو الكفر ، أو الجنس ، فيدخل المخاطبون دخولا أوليا . وتكرير استعجالهم ؛ لاختلاف ما يترتب على كل واحد ، فرتب على الأول حكمة تأخيره ، وعلى الثاني تهديدهم وزجرهم عنه . ثم قال تعالى : يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ، هذا وقت إحاطتها بهم ، أي : تحيط من جميع جوانبهم ، كقوله : لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ « 3 » . وَيَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي : باشروا جزاء أعمالكم . الإشارة : ما قيل في حق من استعجل العذاب من الأنبياء ، يقال في حق من استعجله من الأولياء ، بحيث يؤذيهم ويقول : ليظهروا ما عندهم ، فهذا حمق كبير ، ولا بد أن يلحقه وبال ذلك ، عاجلا ، أو آجلا ، إما ظاهرا

--> ( 1 ) حكمة عطائية . انظر الحكم بتبويب المتقى الهندي ( ص 27 ، حكمة 178 ) . ( 2 ) انظر الحكم ( ص 26 حكمة 111 ) . ( 3 ) من الآية 16 من سورة الزمر .